محمد عبد الله دراز
277
دستور الأخلاق في القرآن
الّتي تجبّ خطأ معينا ، إذ لما كنّا لا نتصرف في نظام الموازين ، والمقاييس الّذي سيزن اللّه سبحانه به القلوب ، فنحن عاجزون عن أن نحكم على النّاس بنفس الطّريقة الّتي سوف يحكم اللّه بها عليهم ، عجزنا عن أن نحكم على أنفسنا بأنفسنا : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى « 1 » . بيد أنّ جهلنا بالتفاصيل لا يمتد إلى المبدأ الّذي يجعل من السّلوك الفردي الأساس الوحيد للتقدير الأخلاقي وما يتبعه من أنواع الجزاء : فاللّه سبحانه يقول : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 2 » . ولا يقولن أحد : إننا بهذه الطّريقة ننظم الكرم العلوي على نحو صارم ، فلسنا نحن ، ولكن القرآن الّذي يقول ذلك ، حين يفرق في الحقيقة بين نوعين من الفضل ، أحدهما عام ، والآخر محدود . وحين يتحدث القرآن عن النّوع الأوّل يستعمل الفعل في الماضي : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 3 » ، وهو يقدمها واقعا ضم جميع الأشياء في الدّنيا ، ولذا فإن النّاس جميعا يتمتعون بها بنفس القدر ، الطّيبون منهم ، والأشرار . هذا الفضل العام يتبع نظام الوجود ، وهو شرط في المسؤولية ، وبمقتضاه يملك كلّ إنسان ، من النّاحيتين الأخلاقية ، والمادية ،
--> - 1 / 325 ، الجرح والتّعديل : 9 / 375 ح 1737 ، بحار الأنوار : 70 / 199 ، مجمع الزّوائد : 1 / 52 و : 4 / 172 ، سنن البيهقي الكبرى : 8 / 249 ، مسند أحمد : 2 / 277 ح 7713 و 8707 ، شعب الإيمان : 5 / 281 ح 6660 ، فتح الباري : 10 / 483 ، الدّيباج : 5 / 508 ح 2564 ، وفي بعض المصادر : ( وأشار إلى صدره ثلاث مرات ) . ( 1 ) النّجم : 32 . ( 2 ) النّجم : 39 . ( 3 ) الأعراف : 156 .